صديق الحسيني القنوجي البخاري

403

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الشهاب : قال الإمام : المراد بالهم في الآية خطور الشيء بالبال أو ميل الطبع كالصائم في الصيف يرى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه وطلب شربه ولكن يمنعه دينه عنه وكالمرأة الفائقة حسنا وجمالا تتهيأ للشاب النامي القوي فتقع بين الشهوة والعفة وبين النفس والعقل مجاذبة ومنازعة ، فالهم هنا عبارة عن جواذب الطبيعة ورؤية البرهان جواذب الحكمة وهذا لا يدل على حصول الذنب بل كلما كان هذه الحال أشد كانت القوة على لوازم العبودية أكمل انتهى . ويؤيده ما في البيضاوي المراد بهمه عليه الصلاة والسلام ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من اللّه تعالى من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم أخف اللّه انتهى . وقيل إنه هم بالفاحشة وأتى ببعض مقدماتها وقد أفرط الزمخشري في التشنيع عليه والصحيح نزاهته عن الهم المحرم أيضا وقد أطنب الرازي في هذا المقام فليراجعه وقيل معنى الهم أنها اشتهته واشتهاها قال الخفاجي : وأنه أحسن الوجوه . وجواب لو في لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ محذوف أي لفعل ما هم به واختلف في هذا البرهان الذي رآه ما هو فقيل إن زليخا قامت عند أن همت به وهم بها إلى صنم لها في زاوية البيت فسترته بثوب فقال ما تصنعين قالت استحي من إلهي هذا أن يراني على هذه الصورة فقال يوسف أنا أولى أن استحي من اللّه تعالى ، روي معنى هذا عن علي بن أبي طالب وفي رواية عن علي بن الحسين ، وقيل إنه رأى في سقف البيت مكتوبا وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً [ الإسراء : 32 ] ، وقيل رأى كفا مكتوبا عليها وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ [ الانفطار : 10 ، 11 ] ، وقيل إن البرهان هو تذكرة عهد اللّه وميثاقه وما أخذه على عباده . وقيل نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء ، وقيل رأى صورة يعقوب على الجدار عاضا على أنملته يتوعده ، وبه قال قتادة وأكثر المفسرين والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك ، وقيل رأى جبريل في صورة يعقوب قاله ابن عباس وقيل مثل له يعقوب فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله ، وقيل رأى جبريل قاله البيضاوي . قال الخفاجي : هذا مع ما في القصص ونحوه مما لا يليق ذكره وتركه أحسن منه كله مما لا أصل له والنص ناطق بخلافه والبرهان ما عنده من العلم الدال على تحريم ما همت به وإنه لا يمكن الهم فضلا عن الوقوع فيه هذا هو الذي يجب اعتقاده والحمل عليه اه .